الشنقيطي
185
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الإنسان حسا ومعنى أي شكلا وصورة وإنسانية ، وكلها من آيات القدرة ودلالة البعث . وروى عن علي رضي اللّه عنه : دواؤك منك ولا تشعر * وداؤك منك ولا تبصر ونزعم أنك جرم صغير * وفيك انطوى العالم الكبير وقد بين تعالى خلقه ابتداء من نطفة فعلقة إلى آخره في أكثر من موضع ، كما في قوله : أَ لَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ( 37 ) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى ( 38 ) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى ( 39 ) أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى [ القيامة : 37 - 40 ] . وكذلك في هذه السورة التنبيه على البعث بقوله : فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ [ التين : 7 ] . أما الجانب المعنوي فهو الجانب الإنساني ، وهو المتقدم في قوله : وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها [ الشمس : 7 ] ، على ما قدمنا هناك ، من أن النفس البشرية هي مناط التكليف ، وهو الجانب الذي به كان الإنسان إنسانا ، وبهما كان خلقه في أحسن تقويم ، ونال بذلك أعلى درجات التكريم : * وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ [ الإسراء : 70 ] . والإنسان وإن كان لفظا مفردا إلّا أنه للجنس بدلالة قوله : ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ ( 5 ) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [ التين : 5 - 6 ] ، وهذا مثل ما في سورة وَالْعَصْرِ ( 1 ) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ ( 2 ) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ [ العصر : 1 - 3 ] ، فباستثناء الجمع منه ، علم أن المراد به الجنس . والتأكيد بالقسم المتقدم على خلق الإنسان في أحسن تقويم ، يشعر أن المخاطب منكر لذلك ، مع أن هذا أمر ملموس محسوس ، لا ينكره إنسان . وقد أجاب الشيخ رحمة اللّه تعالى علينا وعليه في دفع إيهام الاضطراب على ذلك : بأن غير المنكر إذا ظهرت عليه علامات الإنكار ، عومل معاملة المنكر ، كقول الشاعر : جاء شقيق عارضا رمحه * وإن بني عمك فيهم رماح